النموذج السياسي التركي: هل لديه مناعة ضد الارهاب؟ (3/2) - Middle East Transparent


النموذج السياسي التركي: هل لديه مناعة ضد الارهاب؟ (3/2)

السبت 6 كانون الأول (ديسمبر) 2014

النقشبنديّة

في كتابه "تسييس الإسلام" يدّعي كمال كاربت أن جميع المفكّرين الإسلاميين الإحيائيين والقادة المناضلين وكثيراً من المحدثين الواردة أسمائهم في كتابه ينتمون إلى "النقشبنديّة" أو هم حلفاء لها. وأن هذه الطريقة تمثّل أكبر قوة إجتماعية، سياسية وإيديولوجية في تاريخ الإسلام الآسيوي عامة والتاريخ العثماني خاصة [1]. ما يميّز هذه الطريقة عن بقيّة الطرق الصوفيّة المنتشرة في ألعالم الإسلامي هو قدرتها على تطوير نفسها لتتجاوب مع متطلّبات العصر مما جعلها تلعب دوراً سياسياً هاماً حتى يومنا هذا. لذلك من المفيد إلقاء نظرة على هذا التطوّر.

منذ نشأتها في وسط آسيا في القرن الثالث عشر تتميّز الطريقة النقشبنديّة عن بقية الطرق الصوفية بتوجّهها الإجتماعي السياسي. فهي حسب الباحثة الإلمانية آنّا ماري شيمل أبدت دائماً اهتماماً بالسياسة من خلال تأثيرها على الحكّام لإرغامهم على تطبيق شرع الله في جميع مجالات الحياة [2]. كما إنها تميّزت، من ناحية الممارسة، بـ"الذكر بالقلب" بدل "الذكر باللسان" أي الذكر الصامت، والخلوة دون غناء ورقص وموسيقى، واعتمدت بدل ذلك "التوجّه" أي جلوس المريد مواجهاً لشيخه والغوص في رؤياه، فوجه الشيخ مرآة تعكس الرسول ومنها يتدفّق النور الإلهي. بينما يوجّه الشيخ قلبه تجاه مريده خالقاً رابطة محبّة. وإلى جانب "الرابطة" تلعب "الصحبة" دوراً مهماً وهي الحديث الخاص والمكثّف بين الشيخ ومريده على مستوى عالٍ من الروحانيّة. وتُعتبر "الصحبة" أسرع وأفضل وسيلة إلى إدراك الله. أخيراً، مارسوا "الخلوة بين الجمهور"، أي التواجد ظاهرياً مع الخليقة وداخلياً مع الخالق. فبدل الإنزواء في "التكية" يستطيع الصوفي المشاركة في الحياة العامة وفي نفس الوقت الغوص في ذاته للتركيز على الله. هذا النوع من الممارسة شجّع الصوفية للخروج إلى المجتمع كما سهّل دخول الحرفيّين والتجّار في الطريقة دون أن تتعطّل أعمالهم [3].

IMG/jpg/Naqschbandi-Mausoleum.jpg
ضريح الشيخ بهاء الدين النقشبندي في بخارى ـ أوزبكستان

انتشرت النقشبندية في آسيا الوسطى ثم خراسان والأناضول وبلاد فارس، ودخلت الى الهند مع المحتلّين المغول إبتداءً من عام 1526. وتأقلمت الطريقة مع مختلف المجتمعات، فكانت مسالمة تأمّلية في الأناضول، وحاولت التقرّب من الحكام في الهند، بينما استلم شيوخها السلطة في شرق تركستان. أما في إيران فقد زالت تدريجياً في القرن السادس عشر نتيجة صعود الشيعة بدعم من الصفويّين. على أثر ذلك تحوّلت النقشبندية إلى معقل للسنّية وأجرت تغييراً جذرياً لنفسها، فنشأت النقشبندية المجدّدة على يد سرهندي.

واجه الشيخ أحمد الفاروقي السرهندي (1564-1624) محاولة السلاطين المغول ابتداع دينٍ جديد، "الديانة الربّانية"، يوفّق بين المعتقدات الهندوسيّة والإسلاميّة، عبر إحياء مذهب "أهل السنّة والجماعة" ضمن طريقته الصوفية، فحصل على لقب "مُجَدِّد الألف الثاني" (الألف الثاني الهجري يبدأ عام 1591)، وسمّيت من بعده طريقته بـ"النقشبنديّة المجدّدة".

جمع سرهندي بين طريقي المعرفة، الظاهرة والباطنة، في طريقٍ واحد يجعل الإلتزام بالشريعة شرطاً أساسياً لا بديل له لسلوك الطريق الصوفي خلافاً لمعظم الطرق التي تسمح لأعضائها بالتخلّي عن الشريعة في مراحل سلوكهم المتقدّمة نظراً لتفوّق العلم الباطني الصوفي على العلم الظاهري الشرعي. فالطريقان برأيه متكاملان لأن الفقهاء يستندون على الآيات المحكمات لإصدار أحكامهم بينما يركّز الصوفيّون على الآيات المتشابهات لاستنباط معانٍ أعمق. رغم ذلك، فللشريعة منزلة أعلى لأن الله يوم الدين يسأل المرء عن التزامه بالشريعة وليس بالطريقة.

وتخلّى سرهندي عن نظريّة إبن عربي في "وحدة الوجود" واستبدلها بنظرية "وحدة الشهود" ملغياً بذلك إمكانية "الفناء" بالله. بالمقابل زاد من أهمّية شيخ الطريقة الذي أصبح الآن الإنسان الكامل، القيّوم وقطب الكون. والفناء يتمّ في الشيخ ومن خلاله تتمّ وحدة الشهود التي تعني إدراك الله الأحد كمختلفٍ عن خليقته، وهذا يمثّل أعلى مستويات اليقين الذي هو العبوديّة المطلقة لله. سياسياً، واجه سرهندي ممارسات الطرق وضلال الشيعة كما طالب بفرض الجزية على الهندوس وذبح أبقارهم المقدّسة.

التطوّر الثاني الذي مهّد للنقشبنديّة لعب دور مهم في العصور الحديثة أنجزه الشيخ الكردي ضياء الدين خالد (1776-1827) في دمشق في أوائل القرن التاسع عشر. فسمّيت النقشبنديّة بعده بالخالديّة. لم يضف الشيخ خالد شيئاً جديداً لتعاليم سرهندي بل اقتصرت إصلاحاته على مستوى الممارسة إذ أنّه أدخل مفهوماً جديداً "للخلوة" جاعلاً حلقات الذكر مغلقة بحضور الأعضاء دون الجمهور. وجدّد مفهوم "الرابطة" بجعلها علاقة روحانيّة بين الشيخ والمريد. فلم تعد تتطلّب المواجهة الماديّة الفعليّة بين الإثنين بل يكفي أن يستحضر المريد صورة شيخه ذهنياً حتى لو أنه لم يره أبداً.

مفهوم الرابطة هذا زاد من الفعاليّة الدينيّة الإجتماعيّة للطريقة وساعدها على الإنتشار السريع في المراكز العثمانيّة. فبينما أدان شيخ الإسلام عام 1807 النظام الجديد للعسكر أيّد شيخ الإسلام عام 1826 القضاء على الإنكشاريّة ومعهم على الطريقة البكتاشيّة التي كانوا ينتمون إليها مع إغلاق تكيّاتهم ومصادرة أملاكهم، وهذا يبيّن مدى انتشارهم بين النخب الحاكمة. لقد دعمت النقشبنديّة الإصلاحات وأعتبرت أن تنظيمات 1839 تحمل دمغتها لأنها تؤكد التزام الدولة بالشريعة.

النقشبنديّة والسلفيّة

موازاةً لإنتشار الخالدية في المجال العثماني التركي كانت قد انتشرت الحركة الوهّابية في المجال العربي. والتيّاران يظهران الفروق الاساسيّة بين الإسلام التركي والإسلام العربي. اعتبرت الوهّابية كلّ جديد ظهر في التاريخ الإسلامي بعد مرحلة "السلف الصالح" بدعةً يجب إلغاؤها. فحاربت الصوفية وممارساتها كما حاربت جميع المحاولات للتكيّف مع العصر. فثارت على العثمانيّين بسبب تأثّرهم بالغرب وتقليده ما أضعف الدين برأيها. عكس ذلك "الخالديّة"، فلقد انفتحت على العالم الحديث وأرادت الأخذ بكل مفيد في الغرب لتقوية الإسلام.

هذا الفرق الأساسي بين الإسلام التركي والإسلام العربي ينطبق أيضاً على رجال النهضة. فالأفغاني ومحمد عبده ينتميان إلى المجال الثقافي العثماني. وعندما تفكّكت الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى وأعقبها ألغاء الخلافة عام 1924، نرى وريثهما "رشيد رضا" يتحوّل من الإصلاح نحو السلفيّة ويحارب "علي عبد الرازق"، الوريث الليبرالي للنهضة، ليوالي إبن سعود الوهّابي ثم يخلّف لنا "حسن البنّا" مؤسس جماعة الإخوان المسلمين. فإذا اعتبرنا أن السلفيّة عامة والوهّابية والإخوان المسلمين خاصة يمثّلون الإسلام السياسي العربي، فالنقشبنديّة الخالديّة تمثّل الإسلام السياسي التركي.

بعد تنظيمات عام 1856 التي فرضت عملياً من قبل الغرب على العثمانيّين وكرّست المساواة بين جميع رعايا السلطان، التي عارضها بشدّة النقشبنديّون، ظهرت حركة سياسية بين موظفي الدولة المتنوّرين عرفت بحركة "العثمانيّين الشباب" دعت إلى المواطنة العثمانيّة وإلى ملكيّة دستوريّة. رأى مؤيّدو هذا التيار الذي تأثّر بأفكار النقشبنديّة الخالديّة [4] أن الإصلاحات لم تحقّق أهدافها، فانهيار السلطنة لم يزل مستمراً والإنفتاح الإقتصادي قضى على القطاعات الحرفيّة والزراعيّة التي شكّلت قاعدة سلطة المسلمين وأنتج فئات إجتماعية غنيّة جديدة جميعها من الأقلّيّات خاصة المسيحيّة. فكان مطلب المواطنة العثمانيّة وهدفه ظاهراً دمج الأقلّيّات في بوتقة الدولة لكن فعلياً تكريس هيمنة المسلمين العددية. والهدف من مطلب الدستور لم يكن الحد من سلطة السلطان بقدر ما هو إتاحة الفرصة للنخبة المسلمة الجديدة المتمثّلة بالجهاز الإداري بالمشاركة في السلطة.

لقد أيّدت النقشبندية العثمانيين الشباب، ثم انقسمت عندما علّق السلطان عبدالحميد الدستور وحلّ البرلمان. فأغلبيّتها أيّد "السياسة الإسلامية" (panislamism) التي اتبعها السلطان، وبعضها نفر من استبداده. لكن بشكل عام استند عبد الحميد إلى الطريقة النقشبنديّة وغيرها من الطرق الصوفيّة في تنظيم جهاز الدولة وخلق قاعدة شعبية لسياسته العثمانيّة [5]. كما أنه استمرّ على طريق التنظيمات لتقوية السلطة المركزية والدولة ورأى أنه من الضروري توسيع دائرة المتعلّمين فلا تقتصر بعد الآن على موظفي الدولة فقط بل تضم بقية الرعايا فأنشأ المدارس في الاقضية والمحافظات وجامعة دار الفنون عام 1885 في اسطنبول.

أدّى تعميم التعليم الى نشؤ طبقة وسطى مؤهّلة لأخذ المبادرة والإنخراط في المجالات الإقتصاديّة الحديثة ومنافسة الأقلّيّات. وتضمّ هذه الطبقة حرفيّين صغار ومزارعين نما عندهم تفكير جديد يسعى وراء المنفعة الشخصيّة إلى جانب التفكير التقليدي الذي يتحرّك في الإطار الجماعي. فحافظوا على القيم التقليديّة في الثقافة والدين والسلوك الإجتماعي والعلاقات العائليّة، لكن، في الوقت نفسه، تبنّوا العقلانيّة الحديثة في الإقتصاد المرتبطة بالنظرة الليبرالية والمبادرة الفرديّة. فرفضوا تدخّل الدولة في شؤونهم ودعموا الملكيّة الخاصة كما أيّدوا الإصلاحات لتحقيق تلك الأهداف [6].

رافق الشيوخ النقشبنديّون خصخصة أراضي الدولة وتنظيم الملكيّات الخاصة مبيّنين تتطابقها مع الشريعة، خلافاً لأراضي الدولة الخاضعة لنظام "الميري" الذي هو خارج إطار الشريعة. بذلك ساعدت النقشبنديّة الفئة الاجتماعية الجديدة في إنتقالها من العلاقات التقليديّة إلى العلاقات الحديثة دون حصول قطيعة ثقافية، فأمّنت استمراريّةً للهوية الدينيّة دون صدمات [7] لذلك نلاحظ غياب الجدل حول الاصلاح الديني عند الأتراك العثمانيين حتى نهاية السلطنة. أما الافغاني وعبده فقد كان تأثيرهم في المجال التركي محدوداً جداً خلافاً للمجال العربي حيث أن أكثر من تصدّوا للإصلاح الديني أو الاجتماعي أو السياسي كانوا من تلاميذ محمدعبده أو من أصدقائه المتأثّرين به [8].

IMG/png/nameq.png
نامق كمال

يظهر هذا الفرق جلياً في ردود الأفغاني ونامق كمال على خطاب إرنيست رينان (1823-1892) حول "الإسلام والعلم" [9] الذي ألقاه عام 1883 في جامعة السوربون [10] في باريس. وفي تحليله للحضارة الإسلامية، ربط رينان التخلّف الذي طرأ على المجتمعات الإسلاميّة من ناحية بالدين الإسلامي الذي لا يقبل بسلطة أخرى غير سلطة الله وبالتالي يحارب العقل لصالح الإيمان، ومن ناحية أخرى بالعقلين العربي والتركي المغلقين أمام العقلانيّة والعلم مدّعياً أن الإزدهار الحضاري الذي حصل قديماً في الإسلام يرجع إلى العناصر الهند-أوروبية (indo-european) كالفرس والأفغان والنساطرة الخ. وما يقال عن الإسلام ينطبق برأيه على بقية الأديان، فجميعها تحارب العقل، لكن المسيحية فشلت في ذلك فازدهرت مجتمعاتها بينما الإسلام انتصر على العقل فانحطّت مجتمعاته.

نامق كمال (1840-1888) هو منظر حركة العثمانيين الشباب الذين اعتبروا أن تأثير الغرب وصل حداً يهدد الهوية العثمانية، لذلك أرادوا وضع "التنظيمات" في مسار التراث العثماني والتوفيق بين الأفكار الليبرالية الأوروبية والإسلام. فأعلن نامق كمال أن المفاهيم الحديثة هي جزء لا يتجزأ من الإسلام مستنداً على مفاهيم إسلامية "كالجماعة" و"الشورى" و"الإجماع". وأن تقسيم السلطات الذي يتحدّث عنه الفيلسوف "مونتسكيو" قد حقّقه العثمانيّون منذ قرون من خلال توزيع المهام بين الإنكشاريّة والعلماء والسلطان. وكان نامق كمال أوّل مفكّر في تاريخ الإسلام طالب بنظام دستوري وتحدّث عن "الحرية" و"الوطن" دون أن يرى إشكالاً بذلك. فلا عجب إذاً أن يتجاهل نامق كمال، في ردّه المشكلة، التي يعالجها رينان وأن يركّز على المادية الغربية المبتذلة مشيداً بسمو الروحانية الإسلامية.

IMG/png/Afghani.png
السيّد جمال الدين الأفغاني

عكس ذلك الأفغاني (1838-1897) الذي نشأ في أفغانستان وزار الهند وفارس والبلاد العربية، فقد شاهد أزمة البلاد الإسلاميّة مع الإمبرياليّة الغربية ولمس البُعدَ الحضاري للإنحطاط الإسلامي فأتى رده من هذا المنطلق. فوافق جزئياً على نقد رينان للإسلام، مميّزاً بين أسلام القرآن وأسلام الحكّام محمّلاً هؤلاء ومن ضمنهم الفقهاء أيضاً مسؤولية انحطاط الامة لإبتعادهم عن الدين. لذلك رأى ضرورة الإصلاح الديني من خلال رفض التقليد والعودة إلى مصادر الدين من قرآن وسنة وعهد الخلفاء الراشدين لفهمها ضمن معطيات العصر الحديث. وهذا الموقف السلفي يلتقي بعض الشيء مع السلفيّة الوهّابية بمحاربته التصوّف الذي هو سمة الإسلام التركي.

يتبع

النموذج السياسي التركي، هل لديه مناعة ضد الارهاب؟ (2/1) http://www.shaffaf.net/spip.php?pag...

[1] Karpat, Kemal H., The Politicization of Islam: Reconstructing Identity, State, Faith, and Community in the Late Ottoman State. Oxford 2001, p. 107

[2] Schimmel, Annemarie, Mystische Dimensionen des Islam. Die Geschichte des Sufismus. München 1992, pp. 516-519

[3] Weismann, Itzchak, The Naqshbandiyya. Orthodoxy and Activism in a Worldwide Sufi Tradition. New York 2007, pp. 25ff

[4] Weissman, ibid., p. 142

[5] Atasoy, Yildiz, Beyond Tradition and Resistance. Islamic Politics and Global Relationd of Power. The Case of Turkey: 1839-1990. Toronto 1998, p. 110

[6] Karpat, Kemal H., ibid., pp.97 ff

[7] Karpat, Kemal H., ibid., pp. 89ff

[8] أمين، أحمد، زعماء الإصلاح غي العصر الحديث. بيروت ص. 337

[9] Renan, Ernest, L’islamisme et la science. Conférence faite à la Sorbonne le 29 Mars 1883. Paris 1883

[10] Guida, Michelangelo, Al-Afghānī and Namık Kemal’s Replies to Ernest Renan: Two Anti-Westernist Works in the Formative Stage of Islamist Thought. Turkish Journal of Politics Vol. 2 No. 2 Winter 2011, pp. 57-70 راجع كتاب الإسلام والعلم بين الأفغاني ورينان لمحمد عثمان الخشت، القاهرة 1998